إن إقتصاد الصين يعتمد على الصادرات أكثر مما كان عليه خلال مُعظم العقدين الماضيين، مما يجعله عرضة لهجوم جديد بواسطة التعرفات التجارية من قبل الرئيس المُنتخب دونالد ترامب، حيث أظهرت الأرقام المنشورة الأخيرة أن الصادرات الصينية إلى بقية العالم نمت بنسبة 5.9٪ العام الماضي (2024)، مقارنة بالعام السابق (2023) إلى 3.6 تريليون دولار.
تعني هذه الأرقام أن التجارة في طريقها إلى أن تمثل حوالي خمس النمو الإقتصادي في الصين البالغ 5٪ أو نحو ذلك الذي من المتوقع أن تبلغ عنه الحكومة الصينية هذا العام.
بصرف النظر عن عام 2021، عندما كان المُستهلكون في جميع أنحاء العالم ينهمكون في الأجهزة المنزلية الصينية ومعدات اللياقة البدنية ومعدات الكمبيوتر أثناء عمليات الإغلاق بسبب إنتشار فيروس كورونا، فإن هذا من شأنه أن يُمثل أكبر مُساهمة للتجارة في النمو الإقتصادي الصيني منذ عام 2006، عندما كانت صادرات الصين ترتفع في أعقاب إنضمامها إلى منظمة التجارة العالمية في عام 2001.
إن إعتماد الصين المُتزايد على المُشتريات الأجنبية من السلع المُصنعة لتغذية النمو يعكس صراعات إقتصادها مع أزمة العقارات التي أستمرت لسنوات والإنفاق الإستهلاكي الفاتر.
للاستجابة لهذه التحديات، وتحقيقا لطموحات أطول أجلا لتحويل الصين إلى قوة عظمى تقنية، كان الرئيس الصيني شي جين بنغ يطلب من مسؤولي الإقتصاد الحكومي بضخ الأموال إلى مصانع البلاد، حيث كانت النتيجة تضخم القدرة الصناعية، هبوط الأسعار، وزيادة الصادرات في كل شيء من الصلب والمواد الكيميائية إلى السيارات والآلات.
تجاوزت صادرات الصين وارداتها في عام 2024 بمقدار 992 مليار دولار، وهو رقم قياسي، لا يعكس فقط الصادرات المزدهرة ولكن كذلك الطلب الصيني الضعيف على بقية السلع والخدمات في العالم.
قالت الإدارة العامة للگمارگ في الصين إن الصادرات إلى الولايات المتحدة أرتفعت بنسبة 4.9٪ إلى 525 مليار دولار، على الرغم من الرسوم التجارية المفروضة على السلع الصينية خلال فترة ولاية دونالد ترامب الأولى، وفي بعض الحالات تم تمديدها خلال إدارة جو بايدن.
قفزت الصادرات الصينية إلى الولايات المتحدة بنسبة 16٪ على أساس سنوي في كانون أول/ديسمبر 2024 وحده، وهي علامة على أن الشركات وعملائها في الولايات المُتحدة قد يسارعون إلى جلب المخزون قبل زيادات التعريفات التجارية المتوقعة.
كان دونالد ترامب قد تعهد خلال حملته الانتخابية بزيادة التعريفات التجارية على جميع الواردات الصينية إلى 60%، كجزء من سلسلة من التحركات التجارية العدوانية التي تهدف إلى الحد من العجز التجاري المزمن للولايات المتحدة وتحقيق أهداف سياسية أخرى، بما في ذلك الحد من الهجرة ومعالجة تجارة المواد الكيميائية المُستخدمة في صنع عقار الفنتانيل (المُخدر).
أصبحت الشركات الصينية في وضع أسوأ للتعامل مع التعريفات التجارية المُتزايدة مُقارنة بما كانت عليه قبل نصف عقد من الزمان، عندما فرض دونالد ترامب التعريفات التجارية على الصين لأول مرة.
وقد ساهم الإنفاق الضعيف في الداخل في إنخفاض أسعار السلع المُصنعة لمدة عامين، مما أدى إلى سحق هوامش الربح للشركات ودفع العديد من الشركات إلى وقف أعمالها أو الخوف من ايقاف الاعمال.
يقول خبراء الإقتصاد إن مثل هذا الإرتفاع الحاد في التعريفات التجارية على الواردات من الصين من شأنه أن يُشكل عبئًا كبيرًا على النمو، مما يؤدي إلى خفض الناتج المحلي الإجمالي للصين في العام التالي لفرضها بنسبة تتراوح بين 0.5% و2.5%، إعتمادًا على مدى قوة إستجابة الصين.
في طليعة الصادرات الصينية توجد شركات مثل BYD، التي أرتفعت مبيعاتها من السيارات الكهربائية في الخارج بنسبة 72٪ في عام 2024، وفقًا لما ذكرته الشركة هذا الشهر، إلى ما يقرب من 420 ألف سيارة، و في عام 2023، حلت الصين محل اليابان كأكبر مُصدر للسيارات في العالم، ليس فقط من خلال السيارات الكهربائية ولكن كذلك من خلال مبيعات المركبات التي تعمل بالبنزين التقليدية إلى روسيا.
بلغ إجمالي صادرات الصين من السيارات الكهربائية في عام 2024، 1.29 مليون وحدة، بزيادة سنوية قدرها 24.3٪، وفقًا لتقرير صادر عن جمعية سيارات الركاب الصينية هذا الشهر.
مع تسارع صادرات الصين، تسارعت كذلك ردود الفعل العنيفة من الدول الأخرى، حيث فرضت الأسواق الناشئة الرئيسية على بعض الواردات الصينية رسوم تجارية لحماية الصناعات المحلية المُعرضة للمنافسة بأسعار مُخفضة، وقد كان الصلب من أهم المواد.
بالنسبة للإقتصادات الغربية، تركز القلق على نفوذ الصين المُتزايد في قطاع السيارات والطاقة المُتجددة، حيث في تشرين أول/أكتوبر 2024، فرض الاتحاد الأوروبي تعريفات تجارية تصل إلى 45% على السيارات الكهربائية المصنوعة في الصين، قائلاً إن الشركات المُصنعة إستفادت من المساعدات الحكومية الصينية، غير العادلة.
وفي عام 2024، فرضت إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن تعريفات تجارية بنسبة 100% على السيارات الكهربائية الصينية.
تأمل الحكومة الصينية أن تتمكن من تعويض الضرر الناجم عن التعريفات التجارية التي وعد بها دونالد ترامب على السلع الصينية من خلال بيع المزيد إلى أسواق أخرى، ربما بمساعدة (إضعاف مُتحكم به) من عملتها.
كما تعهد المسؤولون الصينيون بالإقتراض الإضافي (زيادة الديون الحكومية) وتدابير التحفيز الأخرى في محاولة لتعزيز النمو في الداخل كذلك.
لكن الخطر الكبير الذي يهدد الصين هو أن تتحول المواجهة الوشيكة مع الولايات المتحدة إلى صراع أوسع مع دول أخرى بشأن التجارة، وهذا بالفعل قابل للتطبيق، حيث يشعر الإتحاد الأوروبي، البرازيل والهند ودول أخرى بالغضب إزاء تدفق الواردات الصينية الرخيصة مع ضخ الحكومة الصينية الأموال في التصنيع، وقد تُقاوم بقوة أكبر (من قبل البلدان) إذا سعت الصين إلى تحويل الصادرات بعيدًا عن الولايات المتحدة، ردًا على التعريفات التجارية الأمريكية الكبيرة.
يقول خبراء الإقتصاد، إن إتساع نطاق الحرب التجارية من شأنه أن يجعل من الصعب للغاية على الصين الإعتماد على الصادرات كمحرك للنمو، مما يزيد الضغوط على المسؤولين لتحفيز الإنفاق المحلي الباهت – أو الإكتفاء بتوسع أضعف بكثير من 5٪ أو نحو ذلك من المتوقع أن تبلغ عنه الصين لعام 2024.
في الأشهر القليلة الماضية، أتخذت الصين خطوات أكثر جرأة لتعزيز الإقتصاد المحلي في الصين، بما في ذلك تخفيف القيود المفروضة على شراء المساكن، وتنشيط سوق الأوراق المالية، وتقديم خصومات للمُستهلكين لتداول السيارات القديمة والأجهزة المنزلية مقابل موديلات أحدث.
كما يتم التعجيل ببرنامج مبادلة الديون لتخفيف العبء المالي على الحكومات المحلية التي تعاني من نقص السيولة والديون المُفرطة.
ومن المقرر أن تعلن الحكومة الصينية عن دعم مالي جديد للإقتصاد في شهر أذار/مارس 2025، عندما يجتمع القادة في المؤتمر الشعبي الوطني الصيني، وهو أعلى هيئة تشريعية في الصين.
ويقول خبراء الاقتصاد، إن الصين سوف تحتاج إلى زيادة الإنفاق المالي بشكل كبير للحفاظ على النمو الإقتصادي في مواجهة وضع سيء بواسطة فرض الرسوم التجارية، ويتوقع كثيرون أن يتباطأ النمو إلى ما بين 4% و4.5% هذا العام.
ومع ذلك، لا يُظهِر الرئيس الصيني أي إشارة إلى التخلي عن تركيزه على التصنيع باعتباره المحرك للاقتصاد الصيني، على الرغم من المخاوف بشأن الإفراط في الإستثمار و إنخفاض الأسعار، وبالنسبة لبعض خبراء الاقتصاد، فإن السؤال الأبعد أمداً هو ما إذا كان الاقتصاد العالمي قادراً على دعم هذه الرؤية.
قال ستيفان أنجريك، الخبير الاقتصادي البارز في موديز أناليتيكس
“إن بقية العالم لا يستطيع استيعاب كل ما تنتجه الصين”.
(ترجمة بتصرف لمقال في صحيفة وول ستريت جورنال)






